الشيخ السبحاني
155
محاضرات في الإلهيات
الفصل الأول التحسين والتقبيح العقليان إن العدل عند المتكلمين عبارة عن تنزهه تعالى عن فعل ما لا ينبغي ، وهذا أحد معاني الحكمة ، فالعدل الحكيم هو الذي لا يفعل القبيح ولا يخل بالحسن ، والتصديق بثبوت هذه الصفة للباري تعالى مبني على القول بالتحسين والتقبيح العقليين ، فإن مفاد تلك المسألة أن هناك أفعالا يدرك العقل كونها حسنة أو قبيحة ، ويدرك أن الغني بالذات منزه عن الاتصاف بالقبيح وفعل ما لا ينبغي ، ومن هنا يلزمنا البحث عن تلك المسألة على ضوء العقل والكتاب العزيز فنقول : ذهبت العدلية إلى أن هناك أفعالا يدرك العقل من صميم ذاته من دون استعانة من الشرع أنها حسنة وأفعالا أخرى يدرك أنها قبيحة كذلك ، وقالت الأشاعرة : لا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها ، فلا حسن إلا ما حسنه الشارع ولا قبيح إلا ما قبحه ، والنزاع بين الفريقين دائر بين الإيجاب الجزئي والسلب الكلي ، فالعدلية يقولون بالأول والأشاعرة بالثاني . إطلاقات الحسن والقبح وملاكاتهما لا شك أن للحسن والقبح معنى واحدا ، وإنما الكلام في ملاك كون